السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
184
مفاتيح الأصول
بالعام وإذا انتفي الشرط انتفي المشروط وتعين الحكم بالتخصيص لأن شرطه عدم العلم بالنسخ وقد تحقق وإن منع من هذا الأصل فاللَّازم التوقف حيثما يحتمل النسخ سواء كانا قطعيّين أو ظنيّين أو العام ظنيا والخاص قطعيّا فالتفصيل لم يظهر لنا وجهه وأما من لم يقل بالتّخصيص في جميع الصّور السّابقة وتوقف في الصّورة الثالثة فاختلفوا فمنهم من توقف هنا أيضا وهو ابن زهرة كما عن المرتضى وأبي حنيفة وتابعيه وأوجبوا الرّجوع إلى المرجّحات ومنهم من حكم بالتخصيص هنا وله وجوه منها الإجماع المشار إليه في النهاية والتهذيب فقال فقهاء الأمصار في هذه الأعصار يخصّون أعمّ الخبرين بأخصّهما مع فقد علمهم بالتاريخ ومنها أصالة الاقتران فإنهما حادثان تحققا والأصل عدم تأخر أحدهما عن الآخر كما في الغرقى والمهدوم عليهم وكذا إذا شكّ في تقدم موت زيد على موت عمرو وتقارنه وقد أشار إليه في العدّة والنهاية ومنها أصالة الحمل على التخصيص لغلبته وإنما عدل عنها في صورة العلم بتأخر العام لغلبة النسخ حينئذ وهي بالنّسبة إلى غلبة التخصيص أخصّ فتقدم وأمّا إذا شك في ذلك فغلبة التخصيص ليس لها معارض فلأصل اعتبارها واحتماله لا يقدح ألا ترى أنه إذا أتانا رجل من بلدة أكثر أهلها مسلمون وأكثر أهل محلَّة منها كافرون حكمنا بإسلامه من غير التفاوت إلى احتمال كونه من أهل المحلَّة الَّتي أكثر أهلها كافرون وأما إذا علم أنه من أهل تلك المحلَّة حكمنا بكفره من غير التفات إلى احتمال كونه من المسلمين ومنها أنه لو لم يحكم بالتخصيص فلا يخلو إما أن يتوقف أو يحكم بالنسخ أو يعمل بهما معا وبالعام فقط أو بالخاص فقط فإن كان الأوّل فيلزم أولا إلغاء كلام الشارع كما ذكره الشيخ أو الخروج عن الدّين لأن كثيرا من الأحكام الشّرعية تستفاد من العام والخاص وكلاهما في الغالب مجهولا التاريخ وإن كان الثّاني فيلزم كثرة النسخ والمعلوم خلافه مع أنه لا يمكن تعيين المنسوخ مع أن فيه ترجيحا من غير مرجح فيجب التوقف أيضا كالأول وإن كان الثالث فيلزم الجمع بين النقيضين وهو باطل وإن كان الرابع فلا يخلو إما أن يكون تعيين العمل بالعام دون الخاص لدليل أو لا فإن كان الثاني فهو باطل لأنه ترجيح من غير مرجح وإن كان الأول فلا بد من بيانه مع أن الفرض خلافه فانحصر الأمر في الحكم بالتخصيص وهو المطلوب وفي جميع الوجوه المذكورة نظر أما الأول فللمنع منه لوجود الخلاف سلمنا لكن الحكم بالتخصيص عند الجهل بالتاريخ ليس حكما شرعيّا إذ من المستبعد أن يوجب الشارع الحكم بالتخصيص تعبّدا كما أوجب الحكم بملكيّة ما في يد المسلم تعبدا ولا حكما لغويّا إذ من الظاهر أن أهل اللسان يتوقّفون في مثله ولم يتقرّر عندهم لزوم التخصيص فيه فلا يكون الإجماع حجّة لأنه إنما يعتبر حيث يكون كاشفا عن قول رئيس في واقعة والحكم بالتخصيص هنا ليس قولا له كما عرفت وبالجملة مسألتنا لا يطلب فيها قول أحد وإنما يطلب فيها مراد الشارع من الخطابين في الواقع والإجماع بعد تسليمه لم يكشف عن الواقع قطعا وأما الثاني فلأن أصالة الاقتران لم تكن أمارة ظنية بالواقع وقد عرفت أنّ المسألة يطلب فيها الواقع وأمّا الثالث فلابتنائه على أصالة حجّية كلّ ظنّ وقد يناقش فيها وأما الرّابع فلجواز أن يكون الحكم هنا التخيير في العمل بأيّهما شاء كما في الخبرين المتعارضين سلَّمنا عدمه لكن نمنع من لزوم التّوقف الخروج عن الدّين لأن الغالب وجود المرجّح في أحد الطرفين فإن أكثر الأحكام الشرعية مستفادة من الخطابات الواردة عن الأئمة عليهم السلام وهي خالية عن شوب هذا الإشكال والحق عندي القول بالتخصيص للدّليل الثالث والمناقشة فيه واهية على أنّه يمكن جعل الإجماع المتقدّم دليلا على حجية الظن المستفاد من الغلبة الَّتي ادعيناها على أنه يجوز أن يكون التخصيص هنا حكما شرعيا كما أن العمل بالظن حكم شرعي فيقبل دعوى الإجماع فيه ولا يحتاج إلى إثبات كونه مظنونا والاستبعاد غير مسموع بعد نقل الثقة إياه في مقام إثبات القول بالتخصيص ووجود الخلاف غير قادح فإن المدعي له لم يدع إجماع الكل بل إجماع أهل عصره وهو حجة أيضا ويؤيّده ما ذكرنا الوجهان فتدبر الثانية أن يعلم بورود أحدهما بعد حضور وقت العمل ولم يتعين وهنا يجب الحكم بالتخصيص عند مرجحي احتمال التخصيص على النسخ مطلقا ولا يخلو عن قوة وأمّا عند المتوقفين في ذلك فينبغي التوقف إلا أن يتمسّكوا في الحكم بالتخصيص بالطلاق العبارة المتضمنة لنقل الإجماع فتأمل الثالثة أن يعلم بورود أحدهما قبل حضور وقت العمل وهنا لا إشكال في الحكم بالتخصيص هذا كلَّه فيما إذا جهل تاريخهما معا وأما إذا جهل تاريخ أحدهما عند مرجّحي احتمال التخصيص الحكم به مطلقا وأما عند غيرهم فينبغي التوقف وينبغي التنبيه على أمرين الأوّل اعلم أن جميع ما ذكر جار فيما إذا كان العام والخاص من الكتاب أو أحدهما منه والآخر من السّنة النّبوية لكن حكى الشّهيد عن السيد المرتضى أنه قال عند ذكر جهل التاريخ وهذا لا يليق بعموم الكتاب فإن تاريخ نزول الآيات القرآنية